الأحد، فبراير 05، 2012

عرض موجزة لرسالتي في الماجستير: رقابة المعلم على تلميذه

إلى أي مدى يمكن للرقابة على التلاميذ أن تمارس دورًا في تفعيل معناها بعيدًا عما يتبادر إلى أذهان البعض من كلمة (رقابة) و(رقيب) كدلالة سالبة على الرصد والتتبع، دون أن تكون ذات مضمون تربوي عميق ودال على قيمة تعليمية مضافة إلى رصيد التلاميذ في إفادتهم من العملية التربوية؟
وهل ثمة حاجة أصلاً إلى إبراز الجانب الرقابي في سلوك المعلم بطريقة ربما لا يكون لها مردود إيجابي في حياة التلاميذ، لاسيما في مرحلة الطفولة؟
بين الحاجة إلى الرقابة كضرورة تربوية للتلاميذ، حفاظًا لهم عن الوقوع في  كثير من الأخطاء، وبين الحذر من أن تكون تلك الرقابة ضغطًا وإكراهًا على التلاميذ، ومؤثرًا على نفسياتهم، ربما كان هناك طريق ثالث لضبط التناسب بين حدي الرقابة كعملية تربوية ناجحة، وبين كونها أداة سالبة ومفضية إلى آثار عكسية لمعناها التربوي.
في دراسة مقدمة لنيل الماجستير تحت عنوان «رقابة المعلم على تلاميذه» يقدم الباحث داود بن عبدالعزيز بن محمد الداود دراسة مقارنة بين رقابة المعلم في النظام السعودي وبين ما جاءت به الشريعة الإسلامية.
عرض الباحث في الفصل الأول لتعريف الرقابة، فهي من الناحية اللغوية تأتي بمعنى متابعة شيء صيانة له عن المخالفة.
 أما في الفقه فلم تعرف الرقابة بهذا اللفظ لحداثته ولكن اتفق على أن مصطلح الرقابة يقابل مفهوم الولاية في الشرع وعليه عرفت الرقابة في الشرع على أنها رعاية التلاميذ وحفظهم مما يؤثر عليهم وتزويدهم بالعلوم والمهارات والصبر عليهم ممن هو أهل لذلك. ومن ثم ربط الباحث هذا التعريف بالتعريف النظامي للرقابة والذي يرى أنه لا يبتعد كثيرًا عن التعريف الشرعي فقد عرفت بأنها حق دستوري يخول صاحبه سلطة إصدار القرارات اللازمة لإنجاح مشروعات الخطة.
رقابة المعلم على تلميذه ثابتة بالقرآن ومن السنة وإجماع العلماء وقياس المعلم بالأب ولا خلاف بين الفقهاء في ثبوت ولاية تأديب التلاميذ لمعلمهم, إصلاحًا لهم وتعليمًا وزجرًا عن سيئ الأخلاق ورديء الفعال بالنصح والأمر والنهي والوعيد والتعنيف بالقول ثم بالضرب إذا لم ينفع القول.
ورقابة المعلم على التلميذ في النظام تتمثل في اتخاذ المعلم للوسائل والتدابير. اللازمة في الحدود المألوفة للحيلولة دون وقوع الضرر الذي يحدثه التلميذ ويرتبط بعنصرين, هما الالتزام بالتعليم, والالتزام بالرقابة.
ثم عرض الباحث بعد ذلك للأدلة على مشروعية رقابة المعلم على تلاميذه في النظام، واستدل على ذلك ببعض المواد التي وردت في التعاميم والقواعد المنظمة للعمل في وزارة التربية والتعليم. فقد نصت هذه التعاميم والقواعد أن للمعلم رقابة على التلميذ من خلال رعايته والعناية به وتعليمه وتأديبه بالطرق التي سنها النظام وأن يتجنب ضربه أو إيذاءه جسديًا؛ ومن ذلك ما ورد في القواعد التنظيمية للتعليم العام (المعلم صاحب مهنة نبيلة ومؤتمن على الطالب وهو المسؤول الأول عن تربيته تربية صالحة تحقق غاية سياسة التعليم في المملكة وأهدافها).
وتشمل مسؤوليات المعلم وواجباته احترام الطالب ومعاملته معاملة تربوية تحقق له الأمن والطمأنينة وتنمي شخصيته, وتشعره بقيمته وترعى مواهبه, وتغرس في نفسه حب المعرفة, وتكسبه السلوك الحميد والمودة للآخرين وتؤصل فيه الاستقامة والثقة بالنفس.
بهذا يعلم أن النظام يمنح للمعلم حق الرقابة على تلميذه متى ما كان مسؤولًا عنه وله الحق في توجيهه ونصحه وتعليمه وتأديبه ويلزمه تجنب المحاذير التي أوردها النظام من تجنب الضرب والإيذاء الجسدي.
وقد أشار الباحث في هذا الجانب بوضوح إلى اتفاق الفقه الإسلامي بأحكامه والنظام بمواده ولوائحه على مشروعية الرقابة.
ثم تطرق الباحث لشروط الرقابة بكلا الجانبين وأشار إلى ما يفيد اتفاق شروط النظام مع شروط الفقه في رقابة المعلم، فالفقهاء رحمهم الله يذكرون شروطًا خاصة لا بد أن تتوفر بمن يقوم بهذه الولاية والرقابة والرعاية الشرعية فمن تلك الشروط (الإسلام، والقدرة، والعدالة).
أما النظام فقد اشترط وجود الجنسية السعودية وتوفر اللياقة الصحية والأخلاقية، وكذلك اشترط توفر الكفاية في المعلم ليقوم بهذه الرقابة.
من جانب آخر , يتفق الفقه والنظام في مسقطات رقابة المعلم فنجد أن الفقه يسقط الرقابة عن المعلم بفوات شرط من الشروط التي يستحق بها الرقابة على تلميذه مثل أن يرتد المعلم, أو يصاب بمرض, أو جنون يحول بينه وبين أداء عمله, أو أن يرتكب ما يوقعه في الفسق فمتى عدمت تنعدم معها رقابة المعلم ورعايته على تلميذه.
أما في النظام, فقد نصت النظم واللوائح والتعاميم المنظمة في المملكة العربية السعودية على أن المعلم يبعد عن التعليم , أو يفصل من عمله إذا بدر منه أي تقصير أو إخلال بعمله وذلك وفق الآتي:
أولًا: من تسقط رقابته للمصلحة العامة مثل القضايا الأمنية.
 ثانيًا: من تسقط رقابته لإساءته للدين بالقول والفعل.
ثالثًا: من تسقط رقابته للإخلال بالوظيفة.
رابعًا: من تسقط رقابته بسبب العجز.
تطرق الباحث لطرق التأديب بالجانبين محل المقارنة فأفاد بأن طرق الفقهاء تأديب المعلم لتلميذه في الفقه الإسلامي تعددت على النحو الآتي:
أولًا: النصح والتوجيه والمعاملة الحسنة.
ثانيًا: التعليم المتقن.
ثالثًا: العدل بين التلاميذ وتعامله معهم.
رابعًا: التدريج في التأديب لتحقيق المصلحة والنفع للتلميذ.
أما الطرق المستخدمة في إطار النظام فتشمل:
- النصح في تعليمهم وتوجيههم.
- حرمان التلميذ.
- توبيخه وإنذاره.
- تضمينه ما تلفه.
فيلاحظ مما ذكر أن تأديب التلميذ من معلمه يتفق كثيرًا مع ما ورد في الفقه الإسلامي إلا أن ثمة فرقًا في ضرب التلميذ إذ شدد فيها النظام ومنع منها بخلاف ضرب المؤدب والمعلم في الفقه الإسلامي فلم يمنع منه.
يفرق الفقهاء رحمهم الله بين ضمان الضرر الناتج في التأديب المشروع له فيه وبين ما ليس مشروعًا له فإذا كان الضرر ناتجًا عن تأديب غير مشروع له فباتفاق العلماء فإنه يضمن، وإذا أدب المعلم تلميذه بما هو مشروع له فيه فأدى ذلك لهلاك التلميذ أو تضرر  فللفقهاء في المسألة قولان الراجح منهما أنه لا ضمان عليه.
بينما الضرر الناتج في النظام اتجهت الآراء التي قيلت في مدى التزام المعلم بضمان سلامة التلميذ بمقتضى عقد التعليم بثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: أن عقد التعليم لا ينشئ التزامًا على عاتق المعلم بضمان سلامة التلميذ.
الاتجاه الثاني: عقد التعليم ينشئ التزامًا بضمان السلامة في الحالة التي يقيم فيها التلميذ بالقسم الداخلي بالمدرسة.
الاتجاه الثالث: عقد التعليم ينشئ التزامًا على عاتق المعلم بضمان سلامة التلميذ وهو المراد.
صور الضرر الناتج من المعلم في رقابته على التلميذ:
أ- الضرر بفعل مباشر من المعلم.
ب- الضرر الناتج من القصور في الرقابة. وذلك على النحوالتالي:
 -انعدام أو عدم كفاية الرقابة.
- تسهيل وقوع الضرر.
ــ عدم اتخاذ الاحتياطات الأمنية.
يتفق موقف الفقه الإسلامي مع موقف النظام من مسألة ضمان المعلم للضرر الذي يقع على التلميذ نتاجًا عن تأديب غير مشروع له.
ولكن المعلم في النظام يعتبر مسؤولًا مسؤولية كاملة عن التلميذ وأي ضرر يقع عليه في وقت الدوام الرسمي, بخلاف الحال في الفقه الإسلامي فلا يعتبرالمعلم مسؤولًا عنه مسؤولية توجب الضمان عليه حال انصرافه أو دخوله وخروجه.
وفي ختام بحثه عدد الباحث بعضًا من التوصيات جاء فيها:
« نظرًا لكثرة المدارس وما تتضمنه من المعلمين والتلاميذ والحاجة الماسة لضبط التلاميذ ورعايتهم أوصى الباحث بجمع الأنظمة واللوائح والسياسات والأخلاقيات والتعاميم والقواعد الداخلية في وزارة التربية والتعليم التي تعتني بالموضوع وصياغة نظام شامل لرقابة المعلم على التلميذ ومسؤولية المعلم.
ومن خلال عمله في التربية والتعليم لاحظ الباحث أن كثيرًا من المعلمين بحاجة ماسة إلى التدريب وإقامة ورش العمل على ما يلزمهم تجاه التلاميذ لتحقيق الرقابة والوسائل السليمة للقيام بها».
كما أوصى الباحثين بدراسة مسؤولية المعلم الجنائية وما قد يحصل منه من تعد أو تفريط تجاه التلميذ.
هكذا تبدو هذه الرسالة بحثًا في الدور الرقابي للمدرس حيال تلاميذه، وهي في معنى آخر تصب في مفهوم القيمة التربوية للرقابة.
فالرقابة على ما يفهم منها بصورة خاطئة وشائعة قد تعني في وعي البعض أنها ضرب من الرصد لتحركات التلاميذ بطريقة قد تقيد حرياتهم، الأمر الذي قد يأتي بنتائج عكسية من مردودها التربوي.
وبهذا المعنى فإن الرقابة هنا ليست نقيضًا للحرية، بل هي شكل من أشكال الرعاية والحماية للتلاميذ في حالات وأوقات معينة.
فمن أهم المفاهيم التربوية الحديثة التي آتت ثمارها بالتجربة الواقعية هو أن مساحة الحرية التي يحصل عليها الطالب أثناء دراسته لا سيما في المراحل الابتدائية، ستنعكس إيجابًا في قدراته وإمكاناته العلمية والمعرفية لاحقًا.
ولهذا فثمة حاجة مهمة في الحقل التربوي إلى إعادة فهم وتأويل مفهوم الرقابة بحيث يفضي إلى ضرب من الرقابة الذكية والخفية، بطريقة لا يشعر معها التلميذ بإكراهات تضغط على أعصابه وتجعله ضحية للشعور بالتسلط.
عنوان الدراسة:
رقابة المعلم على تلاميذه
دراسة مقارنة بين رقابة المعلم في النظام السعودي وبين ما جاءت به الشريعة الإسلامية.
بحث مقدم لنيل درجة  الماجستير من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
إعداد الطالب: داود بن عبدالعزيز بن محمد الداود


http://www.almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=391&Model=M&SubModel=141&ID=1348&ShowAll=On

الأربعاء، أغسطس 31، 2011

تدوين القول الراجح من أقوال الفقهاء و إلزام القضاة بالحكم به ( تقنين القضاء )

بسم الله الرحمن الرحيم


تدوين القول الراجح من أقوال الفقهاء وإلزام القضاة بالحكم به

بدأ العلماء الكلام في هذه المسألة في تفريقهم بين المجتهد بأنواعه و المقلد ، و تبعا لذلك نشأ خلاف في تولية أي منهم القضاء و إلزامه بحكم معين . و ملخّص ذلك ما قاله المرداوي (رحمه الله) : "و يشترط في من يتولى القضاء أن يكون مجتهدا مطلقا إن تيسّر و إلا جاز تولية مجتهد مذهب للحاجة فإن لم يتيسر جاز المقلد للحاجة و إلا تعطلت أحكام الناس .

و قد بدأت فكرة التقنين بمحاولة ابن المقفع في القرن الثاني الهجري حيث دعا أبو جعفر المنصور إلى أن يجمع الناس إلى كتاب واحد في القضاء و الأحكام لأنه رأى تناقض الأحكام بين الأمصار لكنه لم يجد رواجا لرفض العلماء له ، و تلاها محاولة الخليفتين المنصور و الرشيد مع الإمام مالك ، ثم محاولة محمد علمكير بكتابه الفتاوى الهندية في القرن الحادي عشر للهجرة ومع ذلك لم يكن ملزما للحكام و لم يكن نمطاً للتقنين بل فروعاً فقهية . أما بدء تنفيذ الفكرة فقد تم عام 1293هـ عندما ظهرت مجلة الأحكام العدلية و قانون المعاملات و شكلت لجنة من كبار علماء الأحناف وصدر الأمر بالعمل بها . ثم في عام 1333هـ صدر قانون حقوق العائلة بالاستفادة من مختلف المذاهب. وقام محمد قدري بعمل مجموعة من القوانين أخذها من المذهب الحنفي مسترشدا بمجلة الأحكام العدلية . و استمرت محاولات متعددة لوضع قانون الأحوال الشخصية ، ففي عام 1335هـ شكلت لجنة برئاسة وزير الحقانية وشرعت بعض الأحكام . و في عام 1355 هـ خطت مصر خطوة رائدة بالتخلّص من التقيد المذهبي بتشكيل لجنة لمشروع قانون الأحوال الشخصية .

وقد لخص صبحي محمصاني مراحل التدوين إلى خمس مراحل:

• مرحلة التبني للمذهب الرسمي و لم ينجح فيها ابن المقفع و لا أبو جعفر المنصور لكن نجحت فيها الدولة العثمانية.

• جمع الكتب ليس على شكل قانون بل كتاب يسهل الرجوع إليه عند التقاضي كالفتاوى الهندية.

• تدوين المذهب الرسمي في مدونات رسمية إلزامية كمجلة الأحكام العدلية .

• تدوين مذهب واحد مع الاستعانة بمذاهب أخرى في بعض المسائل كقانون حقوق العائلة العثمانية.

• اقتباس بعض الأحكام من المدونات الغربية فكان بعضه موافقا للشريعة و بعضه مخالفا لها .

بم يحكم القاضي: ملخص القول ما قاله النووي :(و يحكم باجتهاده إن كان مجتهدا أو اجتهاده مقلده أن كان مقلدا) .

الآراء في تدوين الراجح من أقوال العلماء و الإلزام به:

الأحناف يجيزون الإلزام خلافا لغيرهم فيصححون تكليفه و يبطلون الشرط ويفرقون بين المجتهد والمقلد في ذلك ؛ لأن بعض القضاة قد يقضي بأقضية متناقضة لعدم وجود كتاب على قول واحد يحكمون به مما يؤدي إلى ترافع البعض إلى محاكم أجنبية .

و لأجل ذلك أمر ملك الدولة السعودية بعرض الموضوع على هيئة كبار العلماء ورأت بأكثريتها أنه لا يجوز التدوين على الوجه المقترح و الإلزام به لأنه ليس طريقا للإصلاح ، ومنهم (الشيخ عبد العزيز بن باز ، و عبد الله بن حميد ، و محمد الأمين الشنقيطي ، و عبد الله بن غديان، وصالح اللحيدان ، و عبد الرزاق عفيفي.

و أدلتهم كثيرة منها:

1. من الكتاب قال تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) وأن إلزام القاضي بالمدون ، ليس في كتاب الله و قوله تعالى (فاحكم بينهم بالقسط). فالآية صريحة في المنع من الحكم بقول مدون ملزم إلا إذا كان جورا و كذلك الكلام في مثيلاتها من الآيات الآمرة برد الحكم إلى الكتاب .

2. من السنة حديث:" القضاة ثلاثة فإذا حكم القاضي بخلاف ما يعتقد فقد جار و أثم". و قد نوقشت بأن المدون شرع الله و مأخوذ من كتب الفقه .

3. أنه يقضي بأن يحكم القاضي بخلاف ما يعتقده و هذا خلاف ما جرى في عهد الرسول و خلفائه الراشدون و السلف الصالح كما ردها الإمام مالك كما سبق.و قد نوقش بـ : أما كون التقنين لم يعمل به في صدور الإسلام والقرون المفضلة , فذلك لأنه في السابق لم يكن كما هو الآن من مسائل معاصرة مستجدة وكثيرة , وخاصة في باب المعاملات يحتاج الحكم فيها إلى اجتهاد ونظر لا يتأتى من أي أحد , وإنما يقدر عليه العلماء المجتهدين , ولو أوكلنا إلى القضاة ذلك لشق عليهم لقلة المجتهدين.

4. أن فيه حجر للقاضي و سد لباب الاجتهاد و الأخذ به ليس فيه رد لله و الرسول و الله تعالى يقول (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) و قد نوقش بأن كون التقنين سبب في سد باب الاجتهاد, فيجاب عنه لأن من أسباب التقنين الرئيسية قلة الاجتهاد والمجتهدين فلم يلتجأ إلى التقنين إلا بعد قلة المجتهدين ثم إن الاجتهاد ليس محصورا في القضاة.

5.أن التدوين حال وضعه لا يقضي على الخلاف بل قصور الفهم قد يرد على مواده كما ورد الخلاف على ما هو أفضل منه القرآن و السنة. و قد نوقشت بأنه وان كان فيه خلاف في فهمه لكنه وبشكل كبير سهل على القضاة والمتقاضين معرفة الحكم بصورة سريعة , وكذلك فصل بين جميع المسائل التي يحتاج النظر فيها إلى وقت واجتهاد. ثم إن الخلاف لابد منه لأن المسائل تستجد باستمرار كما وأن الخلاف فيه أيسر من الخلاف في حكم المسائل الفقهية التي لم تدون ولم تتضح صورتها والتي تحتاج إلى وقت و اجتهاد .

6. لو قيل للقضاة لكم حق الرفع فيما يخالف اعتقادكم. أدى ذلك إلى التهرب من القضايا و تكديسها و لا يقضي أحد للناس.

7. أن معرفة الخصوم لما يرجع إليه القاضي ليس ضروريا فقد جرى الحال في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم و الصحابة على ذلك و لم يقل أحد منهم باتلتقنين.

ثم اتجه أصحاب هذا الرأي إلى طرق أخرى لعلاج الآثار الناشئة عن عدم التقنين و منها:

1. إعداد القضاة علمياً و العناية بهم و تدريبهم.

2. تقليل المحاكم و تركيزها في المدن و عواصم المناطق حتى تتوحد المبادئ القضائية.

3. حسن اختيار القضاة بمراعاة القوة و رجاحة العقل و البعد عن مواطن الريبة.

4. تأليف لجنة من العلماء لبحث المسائل القضائية الهامة التي ربما يشتبه الحكم فيها على بعض القضاة ليتبين لهم الحكم فيها.

5. وجود الخلاف عند السلف في الأحكام و لم يفكروا في تقنين الأحكام المقترح.

6. وبهذا يعلم أن العلاج السليم هي في غير التدوين لأن يفضي إلى فصل الناس عن مصادر الشريعة و الثروة الفقهية.



ثانياً:القائلون بجواز التقنين المستقى من الأحكام الشرعية وبما لا يتعارض معها مـن الـنظم و الإلزام به, و أساس هذا القول عند الحنفية حيث ألزموا القضاة بالحكم بالمذهب الحنفي و كذلك قامت الحكومة السعودية على المفتى به من مذهب الإمام أحمد حيث نص قرار الهيأة القضائية عام 1347 هـ على أن يكون مجرى القضاء منطبقا على المفتي به من مذهب الإمام أحمد , كما أن هناك إلزاما في عدة وقائع قضائية كإلزام الشيخ محمد بن إبراهيم القضاة باعتباره الثلاث طلقات ثلاثا, وكذا الإلزام بالحكم بالقتل لمهرب المخدرات. ومن المعاصرين القائلين به: الشيخ عبد الله منيع, و الشيخ ابن جبير ، و الشيخ راشد بـن خنين و الشيخ عبد الله خياط والشيخ أحمد محمد الشاكر و أبو الأعلى المودودي وغيرهم.

و من أدلتهم:

1. من الكتاب قوله تعالى ( يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم) فتجب طاعة الأمراء بما لا يخالف الشرع و التقنين لا يخالفه و نوقش بأن طاعتهم فيما وضح حكمه و اتفقت عليه الأمة و أما التقنين ففي مواده خلاف

2. وجود الدواعي والأسباب التي تبرر التقنين والإلزام به و أهمها:

أ‌. وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة أدت إلى اتهام القضاة بإتباع الهوى فيما يقضون. نوقش بأن الخلاف قد يكون ناشئا بسبب الظروف و الأحوال في القضيتين .

ب‌. أن الناس لا يعرفون الأحكام لعدم وجود كتاب في المعاملات سهل العبارة يبين للناس الأحكام. و نوقش أن القوانين الوضعية مدونة قديما في بعض الدول و لا يعرفها الناس .

ج. تهرب بعض الناس من رفع قضاياهم أمام المحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم دول أجنبية. ونوقش بأن الهروب ليس بسبب عدم تدوين الأحكام بل هي مدونة في الكتب و ميسورة.

د. أن المستوى العلمي لكثير من القضاة لا يؤهلهم للاجتهاد وخاصة في المسائل المستجدة كمسائل الشركات و المقاولات و المعاملات المصرفية و التقنين يساعدهم للوصول للحكم بسهولة.

و. أن التقنين سيسهل على القضاة تطبيق الشريعة لأنه سيعين القاضي على العثـور علـى الحكم دون الحاجة للعناء و النظر في المراجع العديدة التي يصعب الوصول بها إلى الـرأي المطلوب.

2.مما يساعد بالقول به وجود بعض الآثار المماثلة للتقنين مثل جمع عثمان الأمة على حرف واحد من الحروف السبعة التي نزل بها القرآن, وتحريق المصاحف الأخرى المخالفة, رغم أن القراءات شرع منزل كلها حـق لا يحمل الخطأ ولكنه –رضي الله عنه- وجد المصلحة في جمع الناس على مصحف واحد.و نوقش أن عثمان فعل ذلك حفاظا على الدين ، و مع ذلك يجوز للعالم أن يحتج بالقراءة الأخرى بخلاف التدوين فهو ملزم.

3. أن التقنين عبارة عن اختيار أو ترجيح يأتي من كبار علماء الشريعة ومصدره الشريعة وما يدخل تحتها مما لا يصادم نصا ولا يخالف شيئا من قواعدها , فما المانع منه؟ !

و قد ذكروا مجموعة من الاعتبارات في لتأييد قولهم :

1- ما يؤكده علماء الاجتماع أن القضاء إذا كان قوياً مهيباً دقيقاً في تحقيق العدل كان دليلا على قوة البلاد و حسن إدارتها.

2- علاقة البلاد بالدول الأجنبية و يتبع ذلك قيام اتفاقيات و يتبادل معلومات مما يستلزم أن تعرف الأحكام للعامة و يتحقق ذلك بالتقنين .

3- أن تعدد الوحدات القضائية واللجان أدى إلى تقليص الاختصاص في المحاكم الشرعية و التقنين يحد من ذلك بل يجعل التقاضي إلى المحاكم فقط.

4-أن الوضع القائم الآن في المحاكم هو الإلزام بالحكم الراجح في مذهب الإمام أحمد .

5- انتشار الوعي الحقوقي في البلاد و تطلع تلك الفئات الواعية إلى التعرف على المسالك القضائية .ا.هـ

و لعل المتأمل لواقع السلف الصالح رحمهم الله يجدهم من ذوي البصيرة و علو الفقه و الأمانة و البعد عن إتباع الهوى و مواطن الريبة و لا خلاف واسع بينهم جعل الناس تثق بفتاويهم و أقضيتهم و لذلك لم توجد بينهم مشاكل تذكر و لكن لما ضعفت القريحة و قصر النظر و اتسع الخلاف و كثرت الفتاوى و تعددت الأحكام و الأقضية مع تتطاول الزمن و تعدد الأحداث و تنوعها و اختلاف الأحكام في القضية الواحدة رغم تماثلها فدب في الناس الشك و كثرت الظنون لهذا و غيره أرى أن الحاجة ماسة إلى تدوين القول الراجح من أقوال أهل العلماء و إلزام القضاة به و يؤيد ذلك ما يلي:

1- للاعتبارات أنفة الذكر التي قال بها المؤيدون للتقنين.

2- ما يلاحظ من واقع القضاة اليوم و خاصة فيما يخدم البحث من خلو معظمهم من القوة في العلم و قصورهم عن بلوغ مرحلة الاجتهاد التي تكلم عنها العلماء و التي يحرم على العالم فيها مخالفة رأيه و الحالة هذه و التي يقول فيها القرافي " أن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده و إن كان مقلدا جاز له " و كذلك ما ذكره العلماء من أنه يجوز للمجتهد أن يقلد لضيق الوقت و في ذلك يقول ابن مفلح في أصوله و نسبه للإمام" وعنه يجوز مع ضيق الوقت " و قال شيخ الإسلام " و إن لم يمكن لضيق الوقت و عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك فله أن يقلد من أرتضى علمه و دينه هذا أقوى الأقوال " فالقاضي أن كان مقلداً – وهو الغالب- فلا حرج في عمله بالراجح لقول كثير من الأئمة بذلك و أن كان مجتهدا فله ذلك لضيق الوقت .

3- و نظرا لكون خريج كلية لشريعة و أن حصل على تقدير ممتاز و لو تأهل بدراسة أخرى لا تبلغه هذه رتبة الاجتهاد فأن وجود أحكام شرعية مختارة له من قبل هيئة متخصصة يكون أدعى لتحقيق العدل بين الناس و يكفل تحقيق المساواة بينهم و خير له فيما لو دعت له مسألة لم يطلع عليها أن يتخبط فيها.

4- يعتبر العالم كالقرية الصغيرة تعرف فيها أحكام القضاة لحظة صدورها و في أي مكان في المملكة بل في العالم مما يعني العناية بدقة الأحكام و مساواتها لغيرة و بعدها عن التساهل و الجور و هذا بخلاف ما كانوا عليه في الزمن السابق مما يستلزم القول بالإلزام بالقول الراجح.

5- غير خاف ما جد في هذا الزمان من قضايا و أحداث مستجدة لم يكتبها العلماء السابقين في كتبهم و لم يقضي بها القضاة السابقين مما يصعب معه الحكم فيها على القضاة في زماننا و هذا يدعو إلى القول بالإلزام بالحكم في هذه المسألة من متخصصين بحثوا فيها.

6- أن في القول بالإلزام بالحكم مصلحة عامة للمجتمع تدعوا إليها الحاجة و إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله كما أشار إلى ذلك أحمد موافى.



و ثمة أمور يحسن ذكرها لنرتقي بهذا المرفق الحيوي الهام :

1- أن يكون ما دوّن يرجع لمستند شرعي فلا يكون مخالفاً له أو قولا مرجوحاً في المسألة

2- تكوين لجنة دائمة لمراجعة أحكام القضاة و يعرض عليها ما يجد من قضايا لم يتم تدوينها فيها و يتميز أعضاؤها بقوة ملكتهم الفقهية.

3- السعي لتطوير القضاة بشكل مستمر بإلحاقهم بدورات تأهيلية لتعينهم على أداء عملهم و تعريفهم بكيفية التعامل مع ما دون في هذه الأحكام و تطوير أدائهم بتثقيفهم في عادات الناس و تدريبهم في التعامل بالحاسب الآلي و اللغة الإنجليزية و دورات في تطوير الذات و فن التعامل مع الآخرين.

4- وضع اختبار للكفايات لكي يتحقق من مقدرته على القضاء و الحكم بما في هذه المدونات و مقدرته على التعامل مع النصوص الواردة فيها.

5- ربط أحكام القضاة التي تصدر منهم بشبكة الكترونية ليتمكنوا من الاطلاع على قضايا بعضهم البعض و تعم الفائدة في جميع محاكم المملكة.

6- تقبل مقترحات المستفيدين من خدمة القضاء أيّاً كانوا على مواقع إلكترونية أو بريدية و عرضها على لجان متخصصة للرقي بهذا المرفق الهام.

7- تفعيل مبدأ علانية الجلسات ففيه رقابة على القاضي ليقضي بما هو مدون و ليبذل القاضي و سعه في تحري الحكم.



و الله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه صالح البلاد و العباد

داود بن عبد العزيز الداود