الأحد، فبراير 05، 2012

عرض موجزة لرسالتي في الماجستير: رقابة المعلم على تلميذه

إلى أي مدى يمكن للرقابة على التلاميذ أن تمارس دورًا في تفعيل معناها بعيدًا عما يتبادر إلى أذهان البعض من كلمة (رقابة) و(رقيب) كدلالة سالبة على الرصد والتتبع، دون أن تكون ذات مضمون تربوي عميق ودال على قيمة تعليمية مضافة إلى رصيد التلاميذ في إفادتهم من العملية التربوية؟
وهل ثمة حاجة أصلاً إلى إبراز الجانب الرقابي في سلوك المعلم بطريقة ربما لا يكون لها مردود إيجابي في حياة التلاميذ، لاسيما في مرحلة الطفولة؟
بين الحاجة إلى الرقابة كضرورة تربوية للتلاميذ، حفاظًا لهم عن الوقوع في  كثير من الأخطاء، وبين الحذر من أن تكون تلك الرقابة ضغطًا وإكراهًا على التلاميذ، ومؤثرًا على نفسياتهم، ربما كان هناك طريق ثالث لضبط التناسب بين حدي الرقابة كعملية تربوية ناجحة، وبين كونها أداة سالبة ومفضية إلى آثار عكسية لمعناها التربوي.
في دراسة مقدمة لنيل الماجستير تحت عنوان «رقابة المعلم على تلاميذه» يقدم الباحث داود بن عبدالعزيز بن محمد الداود دراسة مقارنة بين رقابة المعلم في النظام السعودي وبين ما جاءت به الشريعة الإسلامية.
عرض الباحث في الفصل الأول لتعريف الرقابة، فهي من الناحية اللغوية تأتي بمعنى متابعة شيء صيانة له عن المخالفة.
 أما في الفقه فلم تعرف الرقابة بهذا اللفظ لحداثته ولكن اتفق على أن مصطلح الرقابة يقابل مفهوم الولاية في الشرع وعليه عرفت الرقابة في الشرع على أنها رعاية التلاميذ وحفظهم مما يؤثر عليهم وتزويدهم بالعلوم والمهارات والصبر عليهم ممن هو أهل لذلك. ومن ثم ربط الباحث هذا التعريف بالتعريف النظامي للرقابة والذي يرى أنه لا يبتعد كثيرًا عن التعريف الشرعي فقد عرفت بأنها حق دستوري يخول صاحبه سلطة إصدار القرارات اللازمة لإنجاح مشروعات الخطة.
رقابة المعلم على تلميذه ثابتة بالقرآن ومن السنة وإجماع العلماء وقياس المعلم بالأب ولا خلاف بين الفقهاء في ثبوت ولاية تأديب التلاميذ لمعلمهم, إصلاحًا لهم وتعليمًا وزجرًا عن سيئ الأخلاق ورديء الفعال بالنصح والأمر والنهي والوعيد والتعنيف بالقول ثم بالضرب إذا لم ينفع القول.
ورقابة المعلم على التلميذ في النظام تتمثل في اتخاذ المعلم للوسائل والتدابير. اللازمة في الحدود المألوفة للحيلولة دون وقوع الضرر الذي يحدثه التلميذ ويرتبط بعنصرين, هما الالتزام بالتعليم, والالتزام بالرقابة.
ثم عرض الباحث بعد ذلك للأدلة على مشروعية رقابة المعلم على تلاميذه في النظام، واستدل على ذلك ببعض المواد التي وردت في التعاميم والقواعد المنظمة للعمل في وزارة التربية والتعليم. فقد نصت هذه التعاميم والقواعد أن للمعلم رقابة على التلميذ من خلال رعايته والعناية به وتعليمه وتأديبه بالطرق التي سنها النظام وأن يتجنب ضربه أو إيذاءه جسديًا؛ ومن ذلك ما ورد في القواعد التنظيمية للتعليم العام (المعلم صاحب مهنة نبيلة ومؤتمن على الطالب وهو المسؤول الأول عن تربيته تربية صالحة تحقق غاية سياسة التعليم في المملكة وأهدافها).
وتشمل مسؤوليات المعلم وواجباته احترام الطالب ومعاملته معاملة تربوية تحقق له الأمن والطمأنينة وتنمي شخصيته, وتشعره بقيمته وترعى مواهبه, وتغرس في نفسه حب المعرفة, وتكسبه السلوك الحميد والمودة للآخرين وتؤصل فيه الاستقامة والثقة بالنفس.
بهذا يعلم أن النظام يمنح للمعلم حق الرقابة على تلميذه متى ما كان مسؤولًا عنه وله الحق في توجيهه ونصحه وتعليمه وتأديبه ويلزمه تجنب المحاذير التي أوردها النظام من تجنب الضرب والإيذاء الجسدي.
وقد أشار الباحث في هذا الجانب بوضوح إلى اتفاق الفقه الإسلامي بأحكامه والنظام بمواده ولوائحه على مشروعية الرقابة.
ثم تطرق الباحث لشروط الرقابة بكلا الجانبين وأشار إلى ما يفيد اتفاق شروط النظام مع شروط الفقه في رقابة المعلم، فالفقهاء رحمهم الله يذكرون شروطًا خاصة لا بد أن تتوفر بمن يقوم بهذه الولاية والرقابة والرعاية الشرعية فمن تلك الشروط (الإسلام، والقدرة، والعدالة).
أما النظام فقد اشترط وجود الجنسية السعودية وتوفر اللياقة الصحية والأخلاقية، وكذلك اشترط توفر الكفاية في المعلم ليقوم بهذه الرقابة.
من جانب آخر , يتفق الفقه والنظام في مسقطات رقابة المعلم فنجد أن الفقه يسقط الرقابة عن المعلم بفوات شرط من الشروط التي يستحق بها الرقابة على تلميذه مثل أن يرتد المعلم, أو يصاب بمرض, أو جنون يحول بينه وبين أداء عمله, أو أن يرتكب ما يوقعه في الفسق فمتى عدمت تنعدم معها رقابة المعلم ورعايته على تلميذه.
أما في النظام, فقد نصت النظم واللوائح والتعاميم المنظمة في المملكة العربية السعودية على أن المعلم يبعد عن التعليم , أو يفصل من عمله إذا بدر منه أي تقصير أو إخلال بعمله وذلك وفق الآتي:
أولًا: من تسقط رقابته للمصلحة العامة مثل القضايا الأمنية.
 ثانيًا: من تسقط رقابته لإساءته للدين بالقول والفعل.
ثالثًا: من تسقط رقابته للإخلال بالوظيفة.
رابعًا: من تسقط رقابته بسبب العجز.
تطرق الباحث لطرق التأديب بالجانبين محل المقارنة فأفاد بأن طرق الفقهاء تأديب المعلم لتلميذه في الفقه الإسلامي تعددت على النحو الآتي:
أولًا: النصح والتوجيه والمعاملة الحسنة.
ثانيًا: التعليم المتقن.
ثالثًا: العدل بين التلاميذ وتعامله معهم.
رابعًا: التدريج في التأديب لتحقيق المصلحة والنفع للتلميذ.
أما الطرق المستخدمة في إطار النظام فتشمل:
- النصح في تعليمهم وتوجيههم.
- حرمان التلميذ.
- توبيخه وإنذاره.
- تضمينه ما تلفه.
فيلاحظ مما ذكر أن تأديب التلميذ من معلمه يتفق كثيرًا مع ما ورد في الفقه الإسلامي إلا أن ثمة فرقًا في ضرب التلميذ إذ شدد فيها النظام ومنع منها بخلاف ضرب المؤدب والمعلم في الفقه الإسلامي فلم يمنع منه.
يفرق الفقهاء رحمهم الله بين ضمان الضرر الناتج في التأديب المشروع له فيه وبين ما ليس مشروعًا له فإذا كان الضرر ناتجًا عن تأديب غير مشروع له فباتفاق العلماء فإنه يضمن، وإذا أدب المعلم تلميذه بما هو مشروع له فيه فأدى ذلك لهلاك التلميذ أو تضرر  فللفقهاء في المسألة قولان الراجح منهما أنه لا ضمان عليه.
بينما الضرر الناتج في النظام اتجهت الآراء التي قيلت في مدى التزام المعلم بضمان سلامة التلميذ بمقتضى عقد التعليم بثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: أن عقد التعليم لا ينشئ التزامًا على عاتق المعلم بضمان سلامة التلميذ.
الاتجاه الثاني: عقد التعليم ينشئ التزامًا بضمان السلامة في الحالة التي يقيم فيها التلميذ بالقسم الداخلي بالمدرسة.
الاتجاه الثالث: عقد التعليم ينشئ التزامًا على عاتق المعلم بضمان سلامة التلميذ وهو المراد.
صور الضرر الناتج من المعلم في رقابته على التلميذ:
أ- الضرر بفعل مباشر من المعلم.
ب- الضرر الناتج من القصور في الرقابة. وذلك على النحوالتالي:
 -انعدام أو عدم كفاية الرقابة.
- تسهيل وقوع الضرر.
ــ عدم اتخاذ الاحتياطات الأمنية.
يتفق موقف الفقه الإسلامي مع موقف النظام من مسألة ضمان المعلم للضرر الذي يقع على التلميذ نتاجًا عن تأديب غير مشروع له.
ولكن المعلم في النظام يعتبر مسؤولًا مسؤولية كاملة عن التلميذ وأي ضرر يقع عليه في وقت الدوام الرسمي, بخلاف الحال في الفقه الإسلامي فلا يعتبرالمعلم مسؤولًا عنه مسؤولية توجب الضمان عليه حال انصرافه أو دخوله وخروجه.
وفي ختام بحثه عدد الباحث بعضًا من التوصيات جاء فيها:
« نظرًا لكثرة المدارس وما تتضمنه من المعلمين والتلاميذ والحاجة الماسة لضبط التلاميذ ورعايتهم أوصى الباحث بجمع الأنظمة واللوائح والسياسات والأخلاقيات والتعاميم والقواعد الداخلية في وزارة التربية والتعليم التي تعتني بالموضوع وصياغة نظام شامل لرقابة المعلم على التلميذ ومسؤولية المعلم.
ومن خلال عمله في التربية والتعليم لاحظ الباحث أن كثيرًا من المعلمين بحاجة ماسة إلى التدريب وإقامة ورش العمل على ما يلزمهم تجاه التلاميذ لتحقيق الرقابة والوسائل السليمة للقيام بها».
كما أوصى الباحثين بدراسة مسؤولية المعلم الجنائية وما قد يحصل منه من تعد أو تفريط تجاه التلميذ.
هكذا تبدو هذه الرسالة بحثًا في الدور الرقابي للمدرس حيال تلاميذه، وهي في معنى آخر تصب في مفهوم القيمة التربوية للرقابة.
فالرقابة على ما يفهم منها بصورة خاطئة وشائعة قد تعني في وعي البعض أنها ضرب من الرصد لتحركات التلاميذ بطريقة قد تقيد حرياتهم، الأمر الذي قد يأتي بنتائج عكسية من مردودها التربوي.
وبهذا المعنى فإن الرقابة هنا ليست نقيضًا للحرية، بل هي شكل من أشكال الرعاية والحماية للتلاميذ في حالات وأوقات معينة.
فمن أهم المفاهيم التربوية الحديثة التي آتت ثمارها بالتجربة الواقعية هو أن مساحة الحرية التي يحصل عليها الطالب أثناء دراسته لا سيما في المراحل الابتدائية، ستنعكس إيجابًا في قدراته وإمكاناته العلمية والمعرفية لاحقًا.
ولهذا فثمة حاجة مهمة في الحقل التربوي إلى إعادة فهم وتأويل مفهوم الرقابة بحيث يفضي إلى ضرب من الرقابة الذكية والخفية، بطريقة لا يشعر معها التلميذ بإكراهات تضغط على أعصابه وتجعله ضحية للشعور بالتسلط.
عنوان الدراسة:
رقابة المعلم على تلاميذه
دراسة مقارنة بين رقابة المعلم في النظام السعودي وبين ما جاءت به الشريعة الإسلامية.
بحث مقدم لنيل درجة  الماجستير من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
إعداد الطالب: داود بن عبدالعزيز بن محمد الداود


http://www.almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=391&Model=M&SubModel=141&ID=1348&ShowAll=On

ليست هناك تعليقات: